القاضي عبد الجبار الهمذاني

37

المغني في أبواب التوحيد والعدل

في وقته ، فكذلك يجوز أن نستغني بما يتواتر عنه من الأخبار في سائر ما نحتاج إليه عن إمام بعده ، بالصفة التي ذكروها ؛ ولذلك ارتكب بعضهم عند هذا الإلزام القول بإبطال التواتر ، وبعضهم ارتكب القول بجواز الكتمان على الخلق العظيم « 1 » ، وارتكب بعضهم إبطال الإجماع ؛ لأنهم رأوا مع القول بصحة هذه الأدلة لا يصح لعامتهم ، لما قدمناه ، في أنه لا بد من حجة في كل وقت ؛ فأبطلوا هذه الأدلة لكي تثبت لهم الحجة ، ثم دعا ذلك بعضهم إلى إنكار العقليات أو بعضها ، لكي يثبت له إثبات حجة في الزمان ، فأبطل الحجج الصحيحة لكي يثبتوا ما لا أصل له ، لكي ينجح لهم ما ادعوه ، فأثبتوه في هذا الزمان إماما مختصا ينسب واسم من غير أن يعرف فيه عين أو أثر ، وأدى بعضهم هذه الطريقة إلى ادعاء الضرورة في النصوص على المخالف ، بل أدى بعضهم ذلك إلى القول بأن المعارف كلها ضرورة ، وهذا الّذي يقوله شيوخنا أن الإقدام على الخطأ الأول ربما ظنه المخطئ يسيرا وهو عظيم من حيث يفتح باب الجهالات ، ويؤدى إلى بطلان كل صحيح ، وصحة كل باطل ، ويعيد في كثير منهم أن يعتقد ما يظهر عنه في هذه العلل ، لأن اعتقادها لا يكاد يصح مع التمسك بالديانات التي ذكرها . ولهذه الجملة قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه : إن أكثر من نصر هذا المذهب كان قصده الطعن في الدين والإسلام ، فتسلق بذلك إلى القدح فيهما ؛ لأنه لو قدح فيهما بإظهار كفره ، فإذن يقل القبول منه ، فجعل هذه الطريقة سلما إلى مراده ، نحو هشام بن الحكم وطبقته ، / ونحو أبى عيسى الوراق ، وأبى حفص الحداد ، وابن الراوندي وسائر من نحا هذا النحو ؛ لأن المتعالم من حالهم ما ذكرناه ، حتى شهر ذلك وتصبح من طريقتهم

--> ( 1 ) الأولى أن تحذف هذه الكلمة أو يضاف إليها ما تكمل به جملة .